عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

109

معارج التفكر ودقائق التدبر

قوله اللّه تعالى : * سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ( 36 ) : تمهيد : في هذه الآية يوجّه اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - أنظار المتفكّرين ، لآية عظيمة من آيات ربوبيّته المنبثّة في الكون ، إذ نظّم الخلق وفق سنّة الزّوجية ، الّتي يتمّ فيها كلّ من الزّوجين صاحبه ، لينفرد اللّه عزّ وجلّ بالوحدانيّة . وهذا النظام يشهد للرّبّ الخالق بأنّه واحد أحد فرد صمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، ولا صاحبة له ولا ندّ . ويلاحظ في هذه الآية التنويع في البيان ، إذ جاء البيان فيها بأسلوب مشتمل على تغيير النّسق في عرض آيات اللّه في كونه ، على السّنّة المتّبعة في القرآن ، الّتي تعرض بمقتضاها الأشباه دون أن تلتزم فيها الوتيرة الواحدة ، بل يجري فيها التنويع . لقد بدأ عرض آيات اللّه في كونه أوّلا بأسلوب الاستفهام الإنكاري ، في قول اللّه تعالى : أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ( 31 ) ؟ ! وجاء بعده استخدام أسلوب العرض الخبريّ ، فقال اللّه تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ( 33 ) . ثمّ جاء اختيار أسلوب افتتاح العرض بتنزيه اللّه فقال تعالى : سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ( 36 ) .